أستاذي في الإنسانية .. صالح الراشد 

أستاذي في الإنسانية

عسى الإخبارية- صالح الراشد – الأردن 

رن جرس هاتفي وكان المتصل شخص أحبه وأقدره كثيراً, وكنت تواقاً الى الجلوس والحوار معه, ففي كل جلسة علم جديدة ومعلومات تؤدي الى المعرفة لا الى الضياع, كان الإتصال لأمر إعتدته منه دوماً ولم أعرف غيره يقوم به, فاليوم عيد ميلاد الموظفة في بيته المتعارف عليها في مجتمعنا بإسم “الشغالة”, تهيئت أنا وشقيقي الأكبر مني عمراً وزوجته وشقيقتي وغادرنا الى بيت الشقيق الإنسان لنحتفل جميعا بالموظفة في بيته “كما يرغب في تسميتها”.

الاحتفال كان جميلاً ولا يقل عن تلك الاحتفالات التي يقيمها لإبنه أو بناته او حتى لزوجته التي يحب, فالاحتفال بسيطا معبراً مما جعل الموظفة تشعر بأنها جزء من البيت وأهله, وانه يتم معاملتها بذات الطريقة, لذا فهي تشعر بالسعادة ولكن اليوم تشعر بسعادةٍ أكثر, حيث سارعت لإلتقاط الصور لترسلها الى عائلتها في وطنها ليتقاسموا معها لحظات الفرح الإنساني المفقود بين أعضاء بعض الأُسر.

لم يكن ما حضرته حفل عيد ميلاد لموظفة في البيت, بل كان ورشة عمل ودرساً عميقاً في فن الإنسانية وكيفية إحترام الآخر مهما كان منصبه أو موقعه الإجتماعي, وبأنه كلما ارتقيت في منصبك في الحياة عليك أن ترتقي بأخلاقك وطهرك ونبلك وتتعامل مع الأضعف منك على أنهم في نفس مكانتك الإجتماعية, حتى تُشعرهم بإنسانيتهم ولا تسلبهم إياها بمسميات بالية ترفع من صورة البعض الإجتماعية اليوم وتنخفض بهم غداً حين يقابلون من هم أعلى منهم شئنا.

الصورة لم تكن غريبة عن أسرتي التي تتلمذت مبكرا في علم الإنسانية على يد والدي ووالدتي, وانتقلت هذه العادات الطيبة الى جميع افراد الاسرة, فلم يتكبر اي من افراد اسرتي على أحد في اي مركز تولاه او في أي مشروعاً افتتحه، وبالذات صاحب الدعوة الذي تولى مناصب عدة ولم يشعر أحد بأنه يعامل اي منهم بفوقية, بل يتعامل مع الجميع على قدم المساواة حيث فهم وهضم المعاني الدفينة للإنسانية والتي تميز الإنسان عن بقية المخلوقات , وتقوم على ما يتميَّز به المرء من الأعمال الصالحة التي يقوم بها, وتساهم في تكوين إنسان إجتماعياً قادر على نقل الفكر السيلم الى الآخرين وإحترام وتقدير ظروفهم والتعاطف مع البعيد ومساندة القريب منهم.

اليوم تعلمت اللغة الأهم في الوجود وكيف تحترم إنسانية البشر وضعفهم وغربتهم وقدراتهم ولا تضع نفسك فوق الآخرين, فالابتسامة التي ترتسم على شفاه البعض تعادل كنوز من المال , هذه اللغة هي التي تجعلنا نشعر مع فقراء العالم والمنكوبين من الحروب والظواهر الطبيعية, وهي ايضا التي تجعلنا نسمح لسيدة عجوز أو طفل بقطع الشارع على الرغم أن الطريق لنا, فالإنسانية تسبق القانون، كون الإنسانية رحمة والرحمة تسبق العذاب.