الاتجاهات المعاصرة في الأدب العربي الحديث بين التّجديد والتّخريب والإبداع والاتباع والوهم والحقيقة

 

وكالة عيسى الإخبارية :الأردن

الاتجاهات المعاصرة في الأدب العربي الحديث بين التّجديد والتّخريب والإبداع والاتباع والوهم والحقيقة

 

الأديبة الإعلامية د.سناء الشعلان/الجامعة الأردنية

selenpollo@hormail.com

ليس هناك كلمة أخيرة في المنظور الإنساني تجاه عالمه المتغيّر،إذن إنّ الحقيقة الكبرى أنّ الإنسان هو المتغيّر الحقيقيّ،وأنّ العالم هو الثّابت بمعنى ما،أيّ أنّ الحقائق هي ثابتة،والرؤى هي المتغيّرة،ومن هذا المنطلق لنا أن نطلّ على أهمّ ملامح الاتجاهات المعاصرة في الأدب العربيّ الحديثة،ونحن نسلّم أنّ الرؤية هي تشكّل خاص للوعيّ،وأنّ زاوية النظّر تحكم المنظور،وأنّ اختلاف وجهات النّظر هو من يشكّل القيمة الحقيقيّة للمحاك الفكريّ والتّواصل الإنساني،وأهم ملامح الاتجاهات المعاصرة في الأدب العربيّ وفق رصدي للمشهد العربي الحديث بكلّ ما فيه من معطيات وإبداعات وتجليات يمكن حصرها فيما يلي:

 

    أولاً: التّجريب والحساسيّة الجديدة وأزمة الشّكل وبنائيات المعمار الإبداعيّ :

 

لعلّ حركة التّجريب التي يشهدها المشهد الإبداعي العربيّ هي الاتجاه الأبرز والأهم،ويشهد الإبداع العربيّ حركة تجريب كبيرة على مستويي الشّكل والمضمون،وهذا الاتجاه له حضوره الواضح الذي تميّز بخصائصه وأشكاله،كما كان له مبرّرات توظيفه،وقد استخدم لغة خاصة وسرديات محدّدة تتناسب مع هذا الاتجاه الذي طغى حتى على الاتجاه الواقعيّ والكلاسيكي واخترق منظومتهما.وذلك انطلاقاً من أنّ التجريب جاء ليفتح الباب على مصراعيه لرفض الأشكال الجاهزة للفكر أو لطرق التعبير عنه.

فالتّجريب يقدّم تصوّراً خاصًّا للواقع يمتح ابتداءً من أرض الحدث، ويستعين بمعطيات التراث والتاريخ وشواذ الأحداث في بناء توليفة سرديّة تتمخّض عن بنية سرديّة لا تخترق الحقيقي والواقعي، بل توازيه، وتلتقط بذكاء وانتقائيّة فنّية وفكريّة مواقف خاصّة منه، وتضخّمها أو تزيحها إلى حيث الضوء لتشرّح الواقع اليومي، وتعرّي مواقفه، وتجعلنا أمامه وجهاً لوجه.

ولا شكّ أنّ هذا التيّار ينطلق من منطلقات الحداثة التي تؤمن بكلّ جديد ، ذلك الجديد القلق الذي لا يكاد  يولد حتى يصبح قديماً ،ويبحث عن شكلّ يستولد منه ؛ ليقوم على أنقاضه . فالحداثة”وليدة الوعي بضرورة التفسير ، والخروج من النمطية.واستمرار تطوّر الأنواع . وهي لا ترتبط بالزمن فقط إذ “لا يمكن اختيار مؤلفين من القرن العشرين كي يتمّ التأكد من حداثة فكرهم؛ ففي كلّ لحظة زمانية تتعايش لحظات من الماضي القريب أو البعيد، مع الحاضر وحتى مع المستقبل”(7،فالحداثة فكر وأدب ” قيمي لا زمني ”

والأدب الحداثي يعني عند مالكم برادبري  ” التحليل والتأمّل و الهروب والخيال و إطلاق العنان للأحلام”،مثلما يعني “الفنّ الذي حوّل الواقع إلى خيال نسبي”(10)،وهو قصّ يصوّر “عوالم تكتنفها المخاطر والكوابيس والموت”،متوسلاً إلى ذلك “بالشّكل التّجريديّ والخيال المكثّف” الذي يعلق على نفسه بتراكيب رمزية وتخيلية، والقصّ الحداثي ينبع من مشكلّة ” أنّ عالم الواقع ليس وحده الذي أصبح غريباً عن ذات الإنسان، بل إنّ الذات نفسها أصبحت مشكلة بالنسبة لذاتها”

فالحداثة إعادة نظر في المرجعيات والقيم، والمعايير وهي رؤيا جديدة، وتعبّر عن المقلق والمثير،وهي تجديد للغة،وتحرير للمخيّلة، وتجاوز للحدود الوهمية التي تفصل الواقع عن اللاّواقع، وهذه الحداثة تستوجب حساسية جديدة تجاه هذا العصر.

والحساسيّة الجديدة تعبّر عن وعي خاص تجاه الأشياء سواء في الشّكلّ أو المضمون، وهذا الوعي يقوم على تقنيات كسر الترتيب السّردي،وتجاوز العقدة التقليدية ، والغوص إلى الداخل،والتعلّق بالظاهر ، وتوسيع دلالة الواقع لكي يعود إليها الحلم والأسطورة والشعر،ووضع المعجز والخارق موضع الحقيقة المسلّم بها دون دهشة ، والانفتاح على عوالم وأكوان ما تحت الوعي ، أمّا الزمن فقد أصبح مهمشاً ومحطماً ضمن توافق نادر عند بعض المبدعين.

       وهذا التّجريب وهذه الحساسيّة وهذا البحث الموصول والمبرّر والمحموم عن شكل جديد يجعل الكثير من الباحثين عن الشّهرة والتفرّد يتهافتون على تجاوز تابوات مجتمعاتهم لأجل أن يجيدوا لهم مكاناً وسط الزّحام،ويلفتوا النّظر إليهم وإن قادهم ذلك إلى الإسفاف أو الاصطدام بمنظوماتهم أو الدّخول في عداء علني معها.إلى جانب أنّ الكثير منهم ينزعون إلى التّخريب والتهديم بحجة التجديد والحداثة وما بعدها،وهؤلاء سرعان ما يسقطون في الظّل والعدم؛لأنّهم باختصار ليسوا مبدعين أبداً.,

كما أنّ هذه اللعبة قد تروق للكثير للدخول في حقل الأدب،وهم ليسوا أهلاً منهم لمجرد اعتقادهم أنّهم يملكون من الحيل الشكليّة والمضمونيّة والاستفزازيّة إن جاز التّعبير ممّا يجعلهم قادرين على الدّخول في صفوف المبدعين.

 

 

 ثانياً: الغوص في مجتمعيّة الأدب وتحطيم الحدود التقليديّة للواقعيات المختلفة فيه.

 

لقد اختفت الأشكال التقليديّة للواقعيات الأدبية كالتسجيليّة والاشتراكية والسحريّة بحدودها الصّارمة وتلاميذها المخلصين المتشبثين بها،وظهر في إزاء ذلك أدب جديد يخرج من رحم الظروف الاجتماعية والسياسيّة القلقة التي يعيشها الإنسان العربيّ في إحداثيات نفسيّة وتفاعليّة قلقة جدّاً،ولذلك بات الاتجاه واضحاً نحو الغوص في اتجاه مجتمعيّة الأدب،حيث المجتمع هو البطل الحقيقيّ فيها الذي تخرج من عباءته الأحداث والوقائع ومصائر النّاس ومالآت صراعاتهم،وهذا الشّكل قام على بناء معار خاص وقلق من تشظّي شطحات الخيال والاستيهامات المظفرة أحياناً بنسيج الواقع،وهي واقعيّة خاصّة  ترصد عالمها المتخيّل من جذاذات وكسر هذا العالم الذي نعيشه،وتتحدّى الأعراف السّردية السّائدة

فهذا الاتّجاه يعبّر عن الواقع من تناقضات وصراعات  يعجز الإنسان عن مواجهتها وحسمها لصالحه،ويضعها موضع تأمّل وتدبّر من قبل المتلقّي، في محاولة تصدر عن “يأس عميق عن اكتناه جوهر الواقع ، والإلمام بتحولاته وانكساراته وإخفاقاته وآمالاه وإكراهاته.

وهذه البنية السّرديّة تتسع لتصبح جلباباً فضفاضاً قادراً على إخفاء ذواتنا وأهدافها ومغازيها المحاصرة بضغط القوانين والمحرمات وأنواع الرقابة كافّة،وتقوّض البنى والخطابات والنظم السيّاسيّة الضّاغطة والمستلِبة  التي تمثّل الآخر  عن طريق اختراقها فنياً ورؤيويّاً وعدم الاستسلام لسلطانها المهيمن على الوعي الاجتماعي.

 

ثالثاً: استدعاء الموروث الإنسانيّ والاتّكاء عليه في استيلاد الشّكل الإبداعي الجديد:

 

يستلهم الموروث الإنساني كاملاً في ضوء ثقافة المبدع العربيّ ومعطيات موهبته ومجريات أحداث واقعه ليضطلع بمهمّة تشكيل عالم كامل يجسّد وعياً خاصّاً وإدراكاً تهيمن عليه الفكرة، وتجسّده لغة تحمل على عاتقها رسم هذا العالم، وترك الباب موارباً لدخول القارئ والمتلقّي الواعي الذي لا يعدم وسيلة لإعادة ترتيب هذا العالم الإبداعيّ وفق صورة حقيقيّة لعالمه الذي يحياه ويعيش واقعه.

فنجد المبدع يستحضر من ذاكرته الشخصيّة المنبثقة من ذاكرة جمعيّة مفردات موروثه العربيّ والإنسانيّ بل والإنسانيّ كذلك إن دعت الحاجة إلى ذلك،فنجد استحضار العوالم الصوفيّة ولغة القرآن الكريم والأحاديث النبوية والمقامات،الأمثال والحكم والمقولات المأثورة ونصوص الأغاني والأهازيج والرّسائل والخيالات والأوهام والوصايا والقصص الشّعبيّة وسير الأبطال والنخب والأخبار والمغازي والسّير والمقامات والأسفار والكتب المقدّسة والملاحم وحكايات التكوين والوجود والنهايات والملاحم والفتن والملل والنحل،كما يستثمر التهويم والشطحات المعهودة في الأحلام والكوابيس والمنامات،ويجنح أحياناً إلى الاعترافات واليوميات والمذكّرات، إلى جانب توظيف لغة الأسلوب الصّحفي عبر التّقارير والإعلانات والخواطر والمقالات بعد المرور بحكايا العشق والفرسان وألف ليلة وليلة ومغامرات الشّطار والعيّارين واللّصوص والظرفاء والحمقى والمتحامقين والمؤدبين والعلماء والصالحين والأشرار والفجّار والرّواة والنّساك والزّهاد والرّحالة والمكتشفين والعشّاق والمجانين،وغيرهم الكثير.

ونستطيع القول أنّ الكثير من الإبداعات التي تستدعي التّراث إنّما توظّفه لتستثمر أجواءه ونجاحاته وإحالاته،وتستظلّ بحضور رموزه ومعاني دلالته المثبتة في الوعي الجمعي والذاكرة العامة،وهي في الوقت ذاته تجرّب حظوظها في تقديم نصّ على نص،يبرّر وجوده بأدواته ونسقه وإبداعه ومسوّغات حياته،بقدر ما ينقل الماضي إلى الحاضر،ويقول مقولته في الحاضر بصوت الماضي الذي قد يكون أعلى صوت في الوجدان الإنسانيّ من الصّوت الحاضر لارتباطه بمعاني الأكادية والموثوقيّة.

 

رابعاً: تداخل الأجناس وتلاقح الأشكال وفوضى التجنيس.

 

يشهد الأدب العربيّ في اتّجاه واضح وبارز جنوح الكثير من مبدعيه إلى تداخل الأجناس فيما ينتجون،وهو جنوح مدروس عند الكثير من المبدعين الذين يرونه حرية إبداعية وإنتاجاً جديداً يخترق الموجود،وقد يسبقه،أو يتفوّق عليه،أو انسياقي خلف مناخات تحرريّة وبيئات فكريّة وأدوات ثقافيّة في معظم الاحيان،ولعلّ الرّواية بالتحديد هي الأرض الأرحب لهذا التّداخل؛لكونها  الأكثر تحرّراً،والأوسع أفقاً،والمترامية الضّفاف،والقابلة للاستيعاب والتجديد بفعل خصائص توليدها وآليّات بنائها،وهي بذلك مستمرّة في التّطور،ولم تكتمل ملامحها بشكل حازم بعد؛لأنّ القوى التي تشكّله لا تزال فاعلة وتتجاذبه في سيرورة من التحوّل والنّماء والتّغير المطّرد.

وهذا التّداخل هو مساحة للجدل؛فالبعض يبغي أن يلغي الحدود الفاصلة بين الأجناس السّرديّة داعياً علانيّة إلى انسياح غير مشروط في بنى متداخلة لا تعرف حدوداً أو تخوماً أو علامات فارقة،في حين يرفض آخرون عدّ وجود السّمات المشتركة بين جنس أو آخر هو تداخل إلى الحدّ الذي ينتج جنساً هجيناً يحمل صفات مشتركة من الأجناس التي انتزع بعض صفاته منها.وهؤلاء ينطلقون في رفضهم هذا من خوفهم العميق من أن تستمر متوالية التلاقحات والتّداخلات إلى حدّ ظهور غير محدود من الأجناس الهجينة التي توافرات على التهجين لأكثر مرّة لتخرج أشكالاً إبداعيّة مسوخّاً تعلن صراحة حالة الفوضى والخلل والفراغ التجنيسي،ومن ثم التهريج والخروج خارج دائرة الإبداع.
وأيّاً كانت المواقف أوّ الآراء،فلا أحد يستطيع أن ينكر أنّ هناك دفق من الأعمال الإبداعيّة التي انبثقت من رحم التّلقيح والتّداخل،وأنّها قّدمت تجربة خاصّة من تداخل فنون مختلفة في مساحات مجاورة لمساحاتها الأصليه،هذا إن سلّمنا بنظرية الأجناس الأدبيّة،وقبلنا بفكرة وجود حدود فاصلة وواضحة ومحدّدة بين الفنون.

وهذه الأعمال قد ضربت عرض الحائط بنظرية الأجناس الأدبيّة وتقاليد أنواعها،وذلك انطلاقاً من تأثّرها بأجواء التحرّر الفكريّ والثّورة،ورفض التقليد والاستلاب والأسر والنموذج الواحد المفروض،وانصياعاً لحسّها الخاصّ بحريّة الدفقة الإبداعيّة طالما أنّها تعبير عن ذات مبدعها،وانبثاق من وعيه وفكره وظروفه وحقائقه ومالآته،وهم بذلك أعلنوا صراحة أنّ فكرة الأنواع الأدبية ما هي إلاّ وهم من صنيعة النّاقد والمبدع والمتلقّي على حدّ سواء،وتجاوزها لا يحتاج أكثر من نسيانها،والانطلاق نحو الحريّة في الإبداع.

تداخل الأجناس في الوقت الحاضر هو تجاوز كامل عن التوجّه الأرسطي الذي قسّم الأجناس الإبداعيّة ضمن خانات ثلاث فيما يسمّى بنقاء الأجناس،وهو انسجام مع ثورة الرومانسيّة على الكلاسيكيّة التي توجه الناقد موريس بلانشو بنفيه للأجناس،وهو انتصار حقيقيّ لفكر بنديتو كروتشه الذي أعلن صراحة موت الأجناس،وبشّر علانيّة بعصر جديد متحرّر من قيود أيّ تحديد لجنس أدبي ما.

وهذا الاتجّاه ينطلق من أنّ هناك تناقص جدلي ومنطقي وعقلي بين الإبداع والتجنيس؛إذ إنّ الإبداع هو عمل منطلق من حريّة التعبير عن الذات وعلاقتها بذاتها وبالآخر وبالكون وبالزّمن،فيما أنّ التجنيس هي عمليّة استلابيّة مسبقة تصادر هذه الحرية قبل أن تعيش ذاتها في ظلّ ثبات شكلي مفترض لهذه الدّفقات الذاتيّة،ومن هذا المنطلق يعدّ رولان بارت أنّ الإبداع هو خلخلة الأشكال السّابقة،وليس محاولة التوفيق بينها.

لقد ظهر تداخل الأجناس عن العرب عندما وضع الصّراع أوزاره حوله في الغرب بعد التفجّر المعرفيّ والتقني والفكري عنده،وعندما وصل إلى العالم العربيّ وجد لصوته ملبين كثر عبر المستشرقين  والتّرجمات والأدباء المهجرين،وظهر المدافعون بشراسة عن المثالية المزعومة للشكل التّقليديّ،ولكن الكثير من المجربين لتداخل الأجناس قد حققوا انتصاراتهم الإبداعيّة ليفتحوا باب هذا الاتجاه بكلّ قوّة وحضور  تعبيراً عن حاجة المبدع لأن يطوّع أدواته الفنيّة لأجل أن تمثّل عوالمه الدّاخليّة،وتنسجم معه ومع واقعه المعيش،رافضين خلع صفة القداسة على الشكل الأدبي التّقليديّ،ومنادين بسلطة الدفقة الإبداعيّة أيّاً كان شكلها دون أن يقلقهم تسمية ما يبدعون ما داموا يؤمنون به،ويرونه امتداداً لهم،تاركين للنقّاد الكلاسيكيين أن يعيشوا قلقهم الخاص في إزاء تصنيف النّص على أسس كثيرة يحدث أن يتساوي وجود عناصر بشكل متكافئ في النّص الواحد،فلا يدري عندها أين يصنّف هذا النّص.

 

 

خامساً: الأدب الرّقمي أو التّفاعلي أو الالكتروني ومتاهة الإبداع.

 

يعد الأدب الرقمي التفاعلي من مجموعة الإبداعات التي تولدت مع توظيف الحاسوب والتكنولوجيات الحديثة، وهو” جنس أدبي جديد ظهر على الساحة الأدبية، يقدم أدبا جديدا يجمع بين الأدبية والتكنولوجية. ولا يمكن لهذا النوع من الكتابة الأدبية أن يتأتّى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني، من خلال الشاشة الزرقاء المتصلة بشبكة الانترنيت العالمية، ويكتسب هذا النوع من الكتابة الأدبية صفة التفاعلية بناء على المساحة التي يمنحها للمتلقي، والتي يجب أن تعادل أو تزيد عن مساحة المبدع الأصلي للنص،مما يعني قدرة المتلقي على التفاعل مع النص بكل حرية وإبداعية لأنه يكون في مواجهة مباشرة مع النص عن طريق الروابط، التي تتيح للمتلقي العديد من الخيارات في عملية التلقي أو الإبداع ، فهو يبدع نصا جديدا ومختلفا كلما اختار رابطا مختلفا يتحكم بمساراته القرائية، إذ لم يعد المتلقي في إطار الأدب التفاعلي مجبرا على اتخاذ بداية موحدة بينه وبين مجموع المتلقين الآخرين، لان البدايات غير موحدة وكذلك النهايات

وتتّصف نصوص (الأدب التفاعلي) بعدد من الصفات التي تميّزها عن نظيرتها التقليدية.كما ترى الناقدة   الإماراتية (فاطمة البريكي) منها على سبيل المثال، ما يلي:
1-أن (الأدب التفاعلي) يقدّم نصًا مفتوحًا، نصًا بلا حدود، إذ يمكن أن ينشئ المبدع، أيًا كان نوع إبداعه، نصًا، ويلقي به في أحد المواقع على الشبكة، ويترك للقرّاء والمستخدمين حرية إكمال النص كما يشاؤون..

2-أن (الأدب التفاعلي) يمنح المتلقي أو المستخدم فرصة الإحساس بأنه مالك لكل ما يقدم على الشبكة، أي أنه يُعلي من شأن المتلقي الذي أُهمل لسنين طويلة من قبل النقاد والمهتمين بالنص الأدبي، والذين اهتموا أولا بالمبدع، ثم بالنص، والتفتوا مؤخرًا إلى المتلقي..
3-لا يعترف (الأدب التفاعلي) بالمبدع الوحيد للنص، وهذا مترتب على جعله جميع المتلقين والمستخدمين للنص التفاعلي مشاركين فيه، ومالكين لحق الإضافة والتعديل في النص الأصلي.

4-البدايات غير محددة في بعض نصوص (الأدب التفاعلي)، إذ يمكن للمتلقي أن يختار نقطة البدء التي يرغب بأن يبدأ دخول عالم النص من خلالها، ويكون هذا باختيار المبدع الذي ينشئ النص أولا، إذ يبني نصه على أساس ألا تكون له بداية واحدة، والاختلاف في اختيار البدايات من متلقٍ لآخر يجب أن يؤدي إلى اختلاف سيرورة الأحداث (في النص الروائي، أو المسرحي، على سبيل المثال) من متلقٍ لآخر أيضًا، وكذلك فيما يمكن أن يصل إليه كل متلقٍ من نتائج..

5-النهايات غير موحّدة في معظم نصوص (الأدب التفاعلي)، فتعدد المسارات يعني تعدد الخيارات المتاحة أمام المتلقي/ المستخدم، وهذا يؤدي إلى أن يسير كل منهم في اتجاه يختلف عن الاتجاه الذي يسير فيه الآخر، ويترتب على ذلك اختلاف المراحل التي سيمر بها كل منهم، مما يعني اختلاف النهايات، أو على الأقل، الظروف المؤدية إلى تلك النهايات وإن تشابهت أو توحدت.

6-يتيح (الأدب التفاعلي) للمتلقين/ المستخدمين فرصة الحوار الحي والمباشر، وذلك من خلال المواقع ذاتها التي تقدم النص التفاعلي، رواية كان، أو قصيدة، أو مسرحية، إذ بإمكان هؤلاء المتلقين/ المستخدمين أن يتناقشوا حول النص، وحول التطورات التي  حدثت في قراءة كل منهم له، والتي تختلف غالبًا عن قراءة الآخرين.

7-أن جميع المزايا تتضافر لتتيح هذه الميزة وهي أن درجة التفاعلية في الأدب التفاعلي، تزيد كثيرا عنها في الأدب التقليدي المقدم على الوسيط الورقي.
8-في (الأدب التفاعلي) تتعدد صور التفاعل، بسبب تعدد الصور التي يقدّم بها النص الأدبي نفسه إلى المتلقي/ المستخدم(2).
يعرفه  الناقد المغربي–سعيد يقطين-بأنه”مجموع الإبداعات والأدب من أبرزها التي تولدت مع توظيف الحاسوب،ولم تكن موجودة قبل ذلك،أو تطورت من أشكال قديمة ولكنها اتخذت مع الحاسوب صورا جديدة في الإنتاج والتلقي”(3).
أما  الناقدة المغربية–زهور كرام- التي اختارت تسميته بالأدب الرقمي  فترى بأنه  التعبير الرقمي عن تطور  النص الأدبي الذي يشهد  شكلا جديدا من التجلي الرمزي باعتماد تقنيات التكنولوجيا الحديثة والوسائط الالكترونية،فلأدب الرقمي أو المترابط أو التفاعلي  يتم في علاقة وظيفية مع التكنولوجيا الحديثة ويقترح رؤى جديدة في إدراك العالم، كما أنه يعبر عن حالة انتقالية لمعنى الوجود ومنطق التفكير.(4).
ما يفهم من مصطلح الأدب التفاعلي والذي يقوم على تقنية النص المترابط؛”نظام يتشكل من مجموعة من النصوص ومن روابط تجمع بينها متيحا بذلك للمستعمل إمكانية الانتقال من نص إلى آخر حسب حاجياته(5)” هو أنه كتابة وقراءة معلوماتية غير خطية للنص الأدبي الذي يدخل عصرا جديدا بإيقاع تكنولوجي رقمي  وبأدوات إبداعية تواكب مجريات العصر (الحاسوب المتصل بشبكة الانترنت) والإفادة من عناصر الميلتميديا التي لم تعد فيه الكلمة سوى جزء من عناصر متعددة كالصوت والصورة والموسيقى والألوان، ويفتح هذا النمط من الكتابة الرقمية فضاء واسعا من التداخل والتفاعل بين الكتاب والقراء المتلقين الذين يتحولون بدورهم إلى مبدعين في النص التفاعلي الذي لا يعترف بالمبدع الوحيد للنص ويفتح المجال واسعا أمام المتلقي ليشارك في العملية الإبداعية ويسهم عبر قراءته التفاعلية الرقمية في خلق نصوص جديدة ولا نهائية.

يقدم  الأدب التفاعلي معايير جمالية جديدة وخصائص لم تكن متاحة من قبل في النص الورقي كخاصية تعدد المبدع والتأليف الجماعي للنص الرقمي وتعدد الروابط التي تؤدي  بدورها إلى تعدد النصوص حسب اختيارات المتلقين، بعكس الأدب الورقي الذي تكون البداية موحدة والنهايات محدودة، إضافة إلى صعوبة الحصول على الكتاب الورقي مقارنة بنظيره الرقمي الذي يسهل حمله و تحميله من خلال الحاسوب، لذلك فمن الطبيعي أن يعرف  هذا الأدب  في المستقبل القريب انتشارا واسعا ورواجا كبيرا في الأوساط الأدبية ليحل محل الأدب الورقي المطبوع، سواء أكان هذا الإحلال كليا أم جزئيا، فإن هناك عملية إحلال متسارعة تتسع وتستحكم باستحكام التكنولوجيا ومدى توظيفها في الحياة اليومية، وهذا لا يعني أن الصيغ التقليدية للإبداع الورقي مهددة بالزوال وإنما هي قادرة على الصمود والاستمرار من خلال تعايش الإبداعين معا.خاصة في التجربة العربية التي تعرف تأخرا نوعيا في الإفادة من الإمكانيات التكنولوجية المتطورة، وبالتحديد طبيعة علاقة المبدع الأدبي العربي بالإمكانات الهائلة التي تتيحها شبكة الإنترنت، ومدى إفادته منها، وتوظيفه لها في نصوصه، نجده لا يزال مرابطًا عند الخطوة الأولى التي خطاها المبدعون الغربيون في بداية تعاملهم مع هذه الشبكة، وهي تقديم نسخة رقمية للنسخة الورقية لأعمالهم،وقد وصف الناقد المغربي (محمد أسليم) حالة الركود الإلكتروني التي يعيشها المشهد الثقافي العربي في عصر الثورة المعلوماتية ب (الغفوة الإلكترونية) في دراسته (المشهد العربي في الانترنيت:قراءة أولية) حاول فيها تقييم الحضور العربي على الشبكة، موضحا صعوبة ذلك وانعدامه تقريبا لأسباب عديدة ورد ذكرها في دراسته، وفي حديثه عن بناء المواقع العربية على الشبكة أشار إلى غياب البعد التفاعلي مستخدما لفظة (التفاعلي) بالمعنى الغربي المعاصر، منتقدا الإبداع العربي على الشبكة الذي وصفه بالسطحي التقليدي، كونه لا يعدو أن يكون نسخة الكترونية عن النسخة الورقة التقليدية.

    ولي أن أقول:

أيّاً كانت الآراء والمواقف من هذا الأدب إلاّ أنّه أدب يحكم على نفسه بالموات والاندثار بمجرّد انقطاع الكهرباء وتعطّل الحواسيب عن العمل،إنّه جهز أدبي خلق لأجل التكنولوجيا،وينام بنومها،ويموت بموتها،وهذا أمر لا ينسحب على الفنون الإبداعيّة الأخرى التي عاشت آلاف السنين على الرّغم من تبدّل الأزمان وتغيّرها.

 

سادساً: استيقاظ الذاتيّة وسبات الخيال العلمي.

في الوقت الذي تستيقظ الذاتية فيه عند المبدع العربيّ انطلاقاً بإحساسه بذاته وسط أجواء تكابد لأجل الحريات وتأثره بقوى التحرّر العالمية ومجاورته لكثير من الثّورات وانخراطه في العلوم والمعرفة وانفتاحه على العالم،وانطلاقه –في كثير من الأحيان- من القوميّات والأقليّات والأثينيات والعرقيّات التي استيقظت،وإغراقه في المحليّة والإقليمية في كثير من إنتاجه، نجد أنّ أدب الخيال العلمي عند العرب في تراجع مستمر،وهذا لا يعني أنّه حصّل أوجاً سابقاً،بل يعني هذا الكلام أنّه من اضمحلال إلى آخر،وذلك بغض النّظر عن بعض الإبداعات النقّدية القليلة عند بعض الكتاب أمثال:نهاد شريف،وطالب عمران،والعشري،وغيرهم،وتفسير ذلك أنّ هذا النّوع من الكتابة يحتاج إلى تقدّم علمي يوازيه،وفي ظلّ الرّدة العلميّة التي تعيشها الحضارة العربيّة يصعب أن نتوقّع الكثير في هذا الشأن الإبداعي  وواقع حالنا هو ما يقوله العالم المصري أحمد زويل:”  إنّ حياتنا العلميّة فقيرة للغاية،وتقترب من الصفر،فالموارد الماليّة التي تخصص للمعاهد والمراكز العلميّة على مستوى الوطن العربيّ،أقلّ مما يُقدّم إلى معهد واحد أو جامعة واحد في إسرائيل على سبيل المثال”.

وهذا القول لا يمنع أن يرى بعض النقاد أنّ هذا الاتجاه يفرض نفسه،ويلجأ بعض الكتاب المتميزين في فن القصة والرواية إلى الاستعانة بالعلماء لكتابة رواية أو قصة من الأدب العلمي، حتى لا يساء إلى هذا الأدب وحتى يتميز العمل الأدبي بمنطقيته العلمية الضرورية.

كما توجه الخيال العلمي مؤخراً إلى الأطفال إذ تخصص بعض الكتاب بكتابة أدب الخيال العلمي الموجه للطفل. وقصة الخيال العلمي قد تكون البديل الحقيقي لكل هذا الركام المطروح على الطفل بطريقة فجة لإدخال العلم بقوالب جامدة إلى رأسه الذي لا يتقبل حشر المعلومات العلمية مما قد يؤدي إلى انصرافه عن العلم أو عدم الاهتمام به. والعلم، كما هو معروف، هو لغة العصر، والدور الحضاري لأية أمة من الأمم لا يكون إلا بالعلم وإبداعاته في مختلف جوانب الحياة.

ومن الإنصاف القول إنّ التجارب القليلة في الكتابة في هذا الاتّجاه امتازت  بميزات جمالية وتوجهات فكرية خاصة مدت الرواية العربية بنوع أدبي جديد من خلال استيعاب آخر المنجزات والتطورات العلمية الأخيرة. وبذلك شكّلت هذه الروايات وسائل معينة للقرّاء على فهم العالم واستشراف المجهول منه، وزيادة الوعي بالتاريخ والحضارة في عصر حقق فيه العلم نتائج وتطورات مدهشة.

 

   سابعاً: غزو أدعياء الأدب للمشهد الإبداعيّ عبر الشّبكة العنكبوتيّة.

إن جاز لي التّعبير أن أقول أنّ هذا البند هو ظاهرة،وليس اتجاهاً؛فكلمة الاتّجاه تحمل بعض معاني التّكريس والاعتراف به،والحقيقة برأيي المتواضع عكس ذلك تماماً،فهذه الظاهرة ليس أكثر من حالة فراغ فرضت نفسها على المشهد الإبداعي العربيّ بسلطة الشبكة العنكبوتيّة التي عمّمت المشهد التّواصليّ،وسمحت للجميع على حدّ سواء باختراقه،وأعطتهم حقاً متساوياً في استثمار هذه الفضاء بما يريدون ويرغبون،ولذلك وجدنا الكثير من الأدعياء يصنّفون أنفسهم في خانات المبدعين،ويشرعون في نشر إنتاجاتهم التي تصلح أن تكون أيّ شيء إلاّ أدباً،هؤلاء يعيشون أوهام الإبداع،ويتعاطون تواصله،ويخرقون أصوله،ويخرجون عن سلطة الرّقيب والنقد والتوجيه الأكاديمي،وينطلقون يقيمون أنفسهم بأنفسهم عبر المساحات الإلكترونيّة ظناً منهم أّنهم بذلك أصبحوا مبدعين حقيقيين بمجرد نشرهم لأعمالهم على صفحاتهم أو مدوناتهم وحصدهم للكثير من( اللايكات)!

هؤلاء هم وزن إضافي وعبء حقيقيّ على كاهل الإبداع والمبدعين،وهو في المجمل يشوهون المشهد الإبداعي،ويقدّمون تجارب لا ترتقي إلى الحياة،فتسقط في الظّل،إنّهم يعيشون أوهام الكتابة في مساحات إلكترونيّة لا يتابعها إلاّ القلة من أصدقائهم وأهاليهم وأقربائهم والمهتمين بهم،أو من يفرضون أنفسهم عليهم.والحقيقة أنّ هؤلاء لا يدخلون أبداً في حسبة الإبداع والمبدعين،وحيواتهم الإبداعيّة المزعومة لا تتجاوز حيوات صفحاتهم على الشبكة العنكبوتيّة.

وكلامي هذا لا ينسحب أبداً على المبدعين الحقيقيين الذين لا يملكون أثمان الطباعة والنّشر،فيهربون إلى العالم الافتراضي كي ينشروا إبداعاتهم،ويقدّمونها للمجتمع.

 

وختاماً:

لا بدّ من الإشارة إلى ملامح مهمّة في المشهد العربيّ الحديث في خضم اتجاهاته الكبرى في التشكيل والرّؤية:

  • المشهد العربيّ الحالي تضمحل فيه ظاهرة المبدع النّجم،ولذلك لم نعد نرى الشاعر النجم،أو الروائي النجم،بل دور النجوميّة موزّعة بالتّفاوت على الجميع،وما عاد هناك عمالقة وآباء كما شهد المشهد العربيّ في القرن المنصرم.
  • كثرة الأشكال الوليدة والهجينة في المشهد العربيّ نتيجة سعار استيلاد الشّكل الجديد،ولعلّ الفنون الومضات والفنون التفاعلية والمونودراميّة هي الأشهر في هذا الصّدد.
  • جنوح الكثير إلى التّخريب والتشويه والتهريج تحت غطاء الحداثة والتجريب.
  • اضطلاع الكثير من المبدعين بالكتابة في أكثر من جنس دون أن يحققوا نجاحاً باهراً في أيّ منها،أو النّجاح في جنس واحد على حساب الإخفاق في الأجناس الأخرى.
  • شيوع أوهام الموت والتجديد والحياة والبعث في مسيرة الكثير من الفنون والأجناس،فالحقيقة أنّه ليس هناك عصر الرّواية أو الشعر أو أيّ فن آخر،وليس هناك زمن أفول أيّ منها،بل هذا العصر مثل العصور جميعها هو عصر العمل المميز،كما هي الأزمان جميعها هي أزمان الأعمال الإبداعيّة المميزة.
  • معاقرة الكثير من النّقاد لكتابة الفنون التي يتفرّغون لنقدها من منطلق ظنّهم المغلوط أنّ من يقيّم العمل الإبداعي يستطيع أن ينتجه على غراره أو أفضل منه،وهذه التّجارب في غالبيتها السّاحقة تبوء بالفشل الذّريع؛فالنّقد عمليّة تختلف في خصائصها وأدواتها وملكاتها عن عملية الإبداع الخالصة.
  • الكثير من المتخصصين الذين يملكون أدوات إبداعيّة ينطلقون من تخصّصاتهم ومعارفهم النقديّة النقديّة أو التخصصيّة في إنجاز إبداعاتهم،فتكون صورة تطبيقية لما يعرفون،ويشتغلون عليه،وهذا يؤثّر في الغالب على جودة العمل الفنّي،وإن كان في بعض الحالات يكون لصالحه.

 

 

ويبقى القول:

إنّ العمل الإبداعي الجميل هو من يفرض نفسه،ويكتب لذاته الخلود والحياة،في حين يوهب الظّل مجاناً للأعمال العارية من الإبداع.فالجمال هو الحقيقة الكبرى في هذه الحياة.