مستقبل أدب الرّحلات: من الرّحلة في الجغرافيا إلى الرّحلة في الإنسان والذّات

                        بقلم: الأديبة د.سناء الشعلان/الجامعة الأردنية

selenpollo@hormail.com

 

 

فلسفة الارتحال وتاريخ الرّحلات والرّحالة مرتبطان بالوجود الإنسانيّ على كوكب الأرض؛ فقد جاء الإنسان إلى الأرض مرتحلاً إليها من السّماء كما تذكر الكتب السّماويّة والكثير من الدّيانات الوضعيّة؛ فآدم وحوّاء أُرسلا قصراً إلى الأرض ليعمراها بعد طردهما من السّماء على خطيئتهما الشّهيرة، وكان سبب الرّحلة معلوماً للأطراف جميعها؛ وهو عمارة الأرض بعد خسارتهما للجنّة، فساحا في الأرض، وساحت ذّريتهما فيها من بعدهما.

ومن بعد توالتْ رحلات البشر في هذه الأرض لغايات مختلفة دون أن تصلنا أخبار تلك الرّحل التي كانت –دون شكّ- بهدف مطاردة الطّعام والبحث عن مأوى والاختباء من قسوة الطّبيعة، إلى جاءت رحلة “جلجامش” الشّهيرة لينتقل مستوى التّرحال البشريّ أفقيّاً نحو البحث عن الخلود وإحراز أعلى أشكال تحقّق الذّات التي تتمثّل في خلود الإنسان. لكنّ “جلجامشّ” اكتشف -بعد معاناة طويلة وترحال أسطوريّ وعذابات وتحدّيات مضنية- أنّ الخلود لا يكون بالجسد، إنّما يتمثّل في الأعمال والمآثر التي تخدم البشريّة.

وبعد ذلك بدأ الإنسان في رحلاته الموصولة أفراداً وجماعات في حركات بشريّة في المعمورة، وهي رحلات رسمتْ شكل الطّبوغرافيا في العالم، وحدّدتْ مسار التّاريخ، ووطّنتْ زمكان الحضارات، إلى أن بزغتْ فرديّة الإنسان المنطلقة من تموضع جماعته في إحداثيّات مكانيّة وزمانيّة بعيداً عن حتميّات السّير ضمن القطيع، فانطلق يسيح في رحلاته الخاصّة، ويكتشف الدّنيا، وقد يؤرّخ لهذا الرّحل، أو لا يؤّرّخ لها، أو يؤرّخ لها غيره نيابة عنه.

إلاّ أن التّراكم لما يُسمّى بأدب الرّحلة لا ينطلق إلاّ من التّراث المدوّن الذي انبرى له الرّحالة الذين عكفوا أنفسهم على التّرحال والتّجوال، ورصد ذلك كلّه في مصنّفاتهم التي أبهرت الإنسانيّة. وقد كانت حينئذ رحلات حقيقيّة قام بها أصحابها، وسجّلوها زاعمين أنّهم صادقين في كلّ ما كتبوا فيها، ورصدوا فيها مشاهداتهم وآراءهم ومعايناتهم. وظلّ الرّحالة يضخّون هذه الرّحل على امتداد العصور الوسطى.

وفي القرن العشرين أخذت تتراجع هذه الكتابات عدداً، وتختلف شكلاً وهدفاً وطريقة ورؤية، إلاّ أنّها في الأحوال جميعها حملتْ بصمة هذا العصر بما فيه من اختلاف في الطّروحات، وتأثّر بالفرديّة، وانتقال مرحلة توثيق أدب الرّحلات من مرحلة اقتناص الغريب والعجيب وتصوير أصقاع لم تعرفها مجتمعات الرّحالة ذاتهم، إلى رحلة فكريّة وإنسانيّة وشعوريّة في الإنسان والذّات؛ وهذه الإزاحة المصيريّة والتّاريخيّة في جنس أدب الرّحلات هي نتيجة طبيعيّة للانفجار التّكنولوجيّ والمعرفيّ في كوكب الأرض؛ فما عاد هناك سعي خلف الغريب والعجيب بمعناه الاكتشافيّ والمعرفيّ البحت؛ فالتّكنولوجيا فضحتْ بكارة هذا الكوكب، وعرّت حقائقه، ونقلت تفاصيله بالصّورة المتحرّكة؛ فما عاد هناك غريب أو عجيب بمعناه المستحيل الإدراك والاكتشاف والمعاينة؛ فكلّ رحلة إنسانيّة محتملة هي مرصودة بتصوير فيديو على أيّ محرّك بحث في الشّبكة العنكبوتيّة “الإنترنت”، أو يمكن أن تُرصد إن دعتْ الحاجة إلى ذلك.

حسب المرء أن يضغط على محرّك البحث، ويطبع اسم المادّة التي يردها، وينقر زرّ التّنفيذ ليذهب في أيّ رحلة مستحيلة أو ممكنة أو مقترحة أو ممكنة؛ فيرى رحلة حيوان منويّ في رحم امرأة إلى أن يخصّب بويضة، ثم يكون نطفة تمرّ في مراحل التّخلّق إلى أن يغادر رحم الأمّ باتّجاه الحياة، أو يرى رحلة رجل فضاء يسير على القمر، أو يرى رحلة مرقاب داخل طبقات الأرض، أو يتأمل رحلة منظار داخل جسد الإنسان، الخ

التّكنولوجيا لم تبقِ للرّحّالة من رحلهم سوى رحلتهم الكبرى داخل الإنسان والذّات، وبخلاف ذلك فالموجود هو امتساخ لمفهوم التّرّحل الذي تحوّل الإنسان فيه من رحّالة ثاقب البصر والبصيرة إلى سائح ضمن برامج ترحال سياحيّة جماعيّة مبرمجة بدّقة، فتملي على السّائح ماذا سيرى؟ ولماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وبذلك تُستلب الرّؤية كاملة، وتموت فكرة التّبصّر والتّفكّر والتّأمل والاستقراء والتّحليل، كما تنتحر لذّة الاكتشاف؛ فأيّ لذة لاكتشاف قد ظلّت متاحة ومشتهاة، والسّائح يمسك بيديه كُتيّباً ملوّناً يضمّ الأماكن التي سوف يزورها في رحلته، ويقرأ في هامشها تفاصيل كاملة عنها؟

إذن لم يبقَ من التّرحال والرّحالة وأدب الرّحلات سوى أن تتّجه نحو أصقاع أخيرة لم تُكتشف تماماً، ولن تُكتشف كاملة أبداً ما دام الوجود الإنسانيّ مرتبطاً بالتّمايز والاختلاف والتّناقض والتّنوّع، وهذه الأصقاع هي الرّحلة في الذّات والآخر، ورصد انفعالاتهما ومواقفهما ورؤاهما، وتسجيل انفعالاتهما ومواقفهما انطلاقاً من إحداثّيات المكان والزّمان.

ومن هذا المنطلقّ غدتْ الرّحلة الحديثة في القرن العشرين ليست رحلة الرّحّالة والفاتحين والمكتشفين والمتسعمرين للأصقاع الجديدة حسب، ولم تعد كذلك رحلة القاصدين الحجّ أو الدّيار المقدّسة أو الذّاهبين نحو رموزهم الدّينيّة وطقوسهم العقديّة، ولم تعد رحلة المغامرين في الأدغال وقيعان البحار ورؤوس الجبال وفيافي المعمورة، وما عادتْ تصلح رحلة المستعمرين اللاّهثين خلف المكاسب والمغانم؛ فكلّ ذلك أصبح متأتياً ومدركاً عبر رحلة في طائرة ما، أو عبر تصوير برنامج وثائقيّ من قِبَل أي قناة فضائيّة من قنوات الأخبار والاكتشافات والمغامرة.

الرّحلة الحاضرة الآن هي رحلة جريئة في داخل الإنسان والكتابة والتّدوين؛ هي رحلة الإنسان في ذاته وفي الآخر عبر زيارته له، ومقاربته له، واحتكاكه المباشر به؛ فما عاد السّالكين في درب تدوين أدب الرّحّالة يستثمرون ثيمتي الغريب والعجيب بوصفها ورقة نجاح مضمونة، وما عاد في أجربتهم أيّ سحر يدهش الرّائي؛ فباتوا يقامرون على الورقة الأخيرة في هذا الفنّ، وهي ورقة التّلقيّ التي يتشارك الرّحالة بها مع المتلقّي؛ فما عاد الرّحالة يكتب عن المدن والأصقاع والحواضر والبلاد، بل يكتب عن موقفه منها، وأحاسيسه تجاهها، وعن تفاعل الآخر معه، وتباين هذه المواقف والرّؤى والأحاسيس والانفعالات.

ومن هذا المنطلق نجد أنّ رحّالة المعاصرين الذين كتبوا في هذا الفنّ هم من الأدباء والصّحفيين والإعلاميين والمفكّرين والمتنوّرين والمبتعثين للدّراسة والبحث والتّبصّر والقادة وأهل الهمّة والمهاجرون واللاجئون والثّائرون على مجتمعاتهم وأصحاب التّجارب المعاناة والمكابدة، الخ، حتى ولو كانت تجارب اغتراب أو انكسار أو ألم أو ضياع.

فالرّحلة في الإنسان، وتدوينها على الورق ضمن إحداثيّات المكان والزّمان هي من تؤرّخ لوجود الإنسان ولتجربته ولخصوصيّتها ومعناها، وبالتّالي تؤثّث لأهميتها، وجدوى تدوينها، ونقلها إلى الإنسانيّة؛ لتصبح بذلك سفراً لتجارب البشر، لا كتاب خرائط لكوكب الأرض.

ومن هنا نستطيع أن نفهم بروز ظاهرتين أساسيتين في أدب الرّحلات المعاصر، وهما تشيران بصراحة إلى مستقبل هذا الأدب الذي سيغرق أكثر وأكثر في كونه أحفورة في عمق الوجود الإنسانيّ والتّجربة الإنسانيّة، ويدير ظهره إلى معامل الغرائبيّة والعجائبيّة بمعناهما الرّصديّ السّطحيّ، كما سيزهد في الجغرافيا ومكوّناتها خلا ما له علاقة في تكون جوّانيّات المرسل والمتلقّي.

فالظّاهرة الأولى تتموضع في أنّ الرّحلة الحاضرة لم تعد رحلة جغرافيّة بحتة، بل أصبحتْ رحلة نفسيّة زمانيّة لا مكانيّة، ومن هنا برزتْ مغامرات سرديّة مختلطة متداخلة الأجناس ترصد هذا النّوع من الرّحلات، مثل “رحلة ابن فطّومة” لنجيب محفوظ، و”الشّيخ والبحر” لأرنست همنغواي، وغيرها على اعتبار أنّها رحل سرديّة على شكل أعمال روائيّة؛ فهي رحلات نفسيّة عاموديّة في زمن الحضارة الإنسانيّة والتّجربة المعاشة دون ترحال في المكان، وهي مغامرة تجريبيّة جريئة لها مثيلاها في التّجارب السّرديّة الرّحالتيّة القديمة في الشّرق والغرب حيث الرّحلات التي تنتقل إلى عوالم أخرى، مثل رحلة “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعرّيّ، و”التّوابع والزّوابع” لابن شهيد الأندلسيّ”، و”الكوميديا الإلهيّة” لدانتي، وغيرها، وهي رحلات زمانيّة ونفسيّة فضلاً عن أنّ فيها ترحال خياليّ في المكان القابع أساساً في التّخييل لا في الحقيقة، وهذا القبوع التّخييلي هو القاسم المشترك بين هذا النّوع من الرّحلات وبين الرّحلات المستقبليّة التي تروي ما يمكن أن يكون محتملاً في المستقبل في ضوء الاختراعات العلميّة أو اليوتيوبيّات أو حتى الشّطحات الخياليّة غير المنطلقة من فرضيّات علميّة وجدليّات كونيّة.

وهذه الرّحلات لم تشغل التّدوين السّرديّ فقط، بل شغلت كذلك السّينما وفنون التّواصل والإعلام، واستثمرت التّكنولوجيا لتكون موضوعاً للألعاب الالكترونيّة التي تدرّ ثروات على مخترعيها.

والظاّهرة الثّانية في هذا الأدب أنّه اضطر إلى الدّخول في تداخلات تجنيسيّة كثيرة، مثل أدب المذكّرات والخواطر واليوميّات وأدب المهاجر والسّجون والمعتقلات وأدب الهجرات القسريّة، وغيرها؛ وهذا كلّه بسبب خلفيته الزّمانيّة، وحتميّة أن يتأثّر أيّ إنتاج إنسانيّ بمعطيات مبدعه وعصره؛ فالرّحلة لم تعد تجوالاً هائناً فضوليّاً في أرض الله الواسعة، ولم يعد الرّحالة ينطلق في الغالب من حضارة قويّة مسيطرة تشع بنورها على الإنسانيّة كما كان حال رحّالة المسلمين في العصور الوسطى؛ إذ كانوا يخرجون من حضارة عربيّة إسلاميّة قويّة، ويسيحون في الأرض وهم ممتلئون بفكرة القوّة والهيمنة، فيسجّلون ملاحظاتهم ومشاهداتهم وانطباعاتهم التي قد ترقى بهم إلى حد اكتشاف عقاقير علاجيّة، أو اكتشاف أصقاع غير مأهولة، أو رسم خرائط جغرافيّة دقيقة للأرض؛ فكثيراً من الرّحالة كانوا جغرافيين كذلك، ويحترفون علوماً معيّنة، ويملكون معارف واسعة. وهم في ذلك كلّه يصدرون من حالة انتصار نفسيّ وحضاريّ، وريادة إنسانيّة.

على عكس الرّحالة الحاضرين الذين يصدر الكثير منهم عن حالة انكسار جماعيّة أو فرديّة، ويشعرون –في الغالب- بخيبات الأمل، ولرحالتهم أهداف قهريّة بائسة دفعتهم الظّروف في اتجاهها.

ففي العصر الحديث أهداف الرّحالة متنوّعة  ومتباينة؛ فقد يكون العمل أو ظروف المعيشة أو طلب العلم أو البحث عن وظيفة هو ما يدفع الإنسان إلى التّرحال، وقد يكون فاراً من سلطة قهريّة في وطنه، أو هارباً من وجه دمار الحروب والنّزاعات المسلّحة والتّصفيات العرقيّة، وقد يكون لاجئاً إلى بلد بعيد عن وطنه بسلطة القهر والخوف، وعندها تغدو كتابته السّرديّة هي تمثيل حقيقيّ للاغتراب النّفسيّ والمعاشيّ والماديّ، ويصبح ما يدوّنه فيها سفراً متّسعاً لأجناس أدبيّة مختلفة وفق علومه ودفقاته الشّعوريّة وانطباعاته وتعاطيه مع جديدة في المكان الذي هرب إليه من وجه ماضيه المدمّر.

وأدب السّجون والمعتقلات والحروب هو في أطوار كثيرة منه هو أدب رحلات بمعنى أو بآخر؛ فهو رحلة اغتراب داخل النّفس، ورحلة اغتراب مع الآخر، ورحلة اغتراب في الجغرافيا المغلقة التي يصبح القهر والألم والمعاناة والوجع هو غريبها وعجيبها، ويكون وقع ذلك على الإنسان المرتحل في سجنه/ المعتقل هو الثّيمة الكبرى فيما يرصد، ويكتب، ويدوّن، وهو في الغالب أثر سرديّ متداخل الأجناس، موزّع بين سرديّات مختلفة.

قد يعدّ البعض من أسيري الكلاسيكيّة أنّ أيّ سرديّة تخرج عن الشّكل التّقليديّ لسرديّات الرّحلات التّراثيّة هي نوع من التّخريب أو التّطفّل على هذا الفنّ، وبالتّالي يحاولون عبثاً أن ينكروا سطوة سيرورة الحياة، وحتميّة التّغيير والتّغيّر في الكون حتى في الفنون، ولذلك يفشلون في أن يوقفوا عجلة التّغير في سرديّات أدب الرّحلات التي تصبح مع الوقت رحلاً نفسيّة ووجوديّة وفكريّة وإنسانيّة وشعوريّة بمستوى رحلات الصّوفيّة التي تخترق المكان والزّمان، وتنتصر للتّجربة والشّعور على ما في ذلك من مزالق وتيه وقلق وضياع يمثّل في حقيقته جوهر العراك الفكريّ والشّعوريّ للإنسان في رحلة وعيه وتفاعله مع ذاته ومع الآخر.

ولنا أن نماحك السّرديين الكلاسيكيين في أدب الرّحلات فنقول لهم: لو قُدّر للرّحالة القدامى أن يُبعثوا من جديد في عصرنا هذا، وأن يكتبوا رحلاتهم من جديد في ضوء معرفتهم بمعارف هذا العصور وعلومه، ما كتبوا رحلاتهم بأشكالها المعروفة الموروثة، ولانحازوا إلى تجارب أخرى مختلفة تتعالق مع هذا الزّمان ومعارفه وعلومه وحيثيّاته.

لنا أن نفترض أنّ القادم في أدب الرّحلات هو رحلات الإنسان داخل ذاته وداخل الآخر، ورصد خبراته وانفعالاته تجاه ذلك في مغامرات سرديّة جريئة تزاوج بين الأجناس الأدبيّة وغير الأدبيّة في منظومة ذكيّة وجريئة ومتفرّدة يستطيع الأديب/ الرّحالة أن يقول بها بكلّ صدق: أنا هنا.