وكالة عسى الإخبارية: 

 (قصة قصيرة)

للكاتبة والأديبة البلغارية دينكا إليِّفا
ترجمها من اللغة البلغارية إلى العربية:
د٠محمد طرزان العيق

 

وراء المنحدرات فراغٌ موحش ، وهناك ثمَّةَ دربٌ صغيرة تصعد وتتسلق إلى الأعلى ومخترقة الاعشاب وتتلوى كالافعى يمنةً ويسرى!٠٠٠٠حين وصلت هذه الدرب القمَّةَ تفرعت وإنشطرت إلى ممرين أو مسارين صغيرين ; أحدهما يقودنا إلى “مزرعة”  تُعرف بمزرعة ”دوشان” – وهذه المزرعة هي مكان مستَوٍ ، فسيح وواسع و محاط بسور من الأعشاب المتشابكة٠

وفي داخل هذه المزرعة تسرح وتلهو بحريّةٍ ماعز ”دوشان”  –  عشرات من السخول النشطة والتي لا تكادُ تهدأ ، إنها بالفعل شياطين حقيقية٠٠٠

ويقضي ”دوشان” المسكين طيلة يومه وهو يطارد الماعز ويجري خلفها من مكان إلى آخر ، حتى أن ساقيه تؤلمانه وهو يلهث وتكاد تنقطع أنفاسه وهو يلاحقها في المنحدرات الحادة والمسالك الوعرة!٠ وبالرغم من معاناته ، لكن لم يخطر على باله و لم يفكِّر بأن يتخلّى عن ماعزه أبداً ، وكيف له أن يتخلّى عنها وهي كل ما يملك في هذه الدنيا؟!٠٠٠

وفي الواقع فإن هذه “المزرعة” تتألف من غرفة للسكن ، بالإضافة إلى سقيفة لحفظ الأعلاف!٠قبل فترة  من الزمان زار هذه المنطقة أحد صحفيي الجريدة المحلية  فكتب مقالاً عنها ووصف هذا العقار وأطلق عليه إسم المزرعة ومُذ ذاك إلتصق هذا الوصف ببيت ”دوشان” وساحته وأصبح يعرف بـ ”مزرعة دوشان”، وظل كذلك٠

وكان ”دوشان” ذو أكتاف ضخمة وناتئة كالصخور وصوته كان أجشاً خشناً وكان يمشي بخطوات واسعة٠ أما شعرَ رأسه فكان يرى مقصَّ الحلاقة مرَّة واحدة في السنة ، وذلك عندما يذهب إلى المدينة لتسوية حسابات مبيعاته من حليب الماعز وجلودها مع التجار٠

تقع القرية في مكان خفيض والنَّاظرُ إليها من عَلٍ ، يرى أنها تتكون من حفنة من المنازل ، ومع ذلك توجد فيها كنيسة ومدرسة ، ومكتبة عامّة للقراءة ولإستعارة الكتب٠والمدرسة حالياً فارغة ولا تعمل ، وكذلك الحال بالنسبة للمكتبة العامّة فهي مغلقة!٠٠ورغم وفرة البيوت في القرية إلّا أن ”دوشان” لم يرغب أن يسكن فيها وإختار ذلك المكان غير المأهول ، الذي يقطن فيه حالياً – ”مزرعة دوشان”٠

وأمّا الاتجاه الآخر للمسار فيؤدي إلى ”الدير المقدس” –  وهذا الاخير يتكون من أربعة جدران مُخلخلة مُتهالِكة وسقف مائل إلى الأسفل وقد إتَّشح بالسواد ، وفي بعض الأماكن ، يتقوَّس السقف وينحني متقعراً إلى الأسفل ، وتظهر هنا وهناك بعض عوارضه الخشبية  بادية للعيان ، حيث تطير من هناك الخفافيش   

ليلاً ، وتحلّق في السماء٠٠   

ومن بين حيطان الكنيسة يتراءى لنا خيال القس(الخوري)  ”ستايكو” ، وهو إنسان نحيف ووجهه ذو قسمات عابسة ،ويبدو المعطف الكنسي (راسو) وكأنه معلَّق على أكتاف الكاهن. نراه يمشي ويتعثر حذاؤه  القماشي المحاك بكتل الحشائش المتشابكة ، بينما تتراقص فتائل شعره المجدولة من تحت القبعة السوداء العالية التقلدية(الكاليمافكا) التي يرتديها القساوسة والمميزة للطائفة الأورثوذوكسية٠

وكان القس  ”ستايكو”  ، في شبابه ، قد نجا من الغرور البشري وإعتزل في هذا المكان الخفي ، حيث أن الحياة كانت تعجُّ في الدير ، فلقد كان الناس من القرى المجاورة يأتون للصلاة فيه٠وأما في عيد الأم العذراء ، كان القرويون يتجمعون هنا ويذبحون الخراف ويقدمونها قرابين لله، ويقوم الأب  ”ستايكو” بصوته الرخيم بترتيل الأناشيد الدينية في الكنيسة الصغيرة ، في حين كانت النساء والأطفال يصطفون  لتقبيل يده إكتساباً للبركة٠

غير أن الدَّير الصغير في وقتنا الحالي يبدو مهجوراً ، حيث لا يزوره أحدٌ تقريبًا٠وكان الكاهن يربّي عدَّة دجاجات وكان أحد صبية القرية يأتي كل أسبوع  جالباً للكاهن بعض الخبز ، بينما كان ”المجمع المقدس” يدفع بعض النقود له مقابل رعايته وحراسته لأملاك الدير٠

كان الكاهن يحاول قدر المستطاع  تنظيف باحة الدير وما حولها من الأعشاب  ، كيلا تعلق بردائه الكهنوتي الطويل وتعيق حركته ، ومع  قدوم كل ربيع  ،لا تنفكُّ الحديقة من أن تغص بهذه الاعشاب البرية أكثر فأكثر٠

وفي ساعات المساء ، بينما تتجه الشمس منحدرةً نحو الهضبة المرتفعة ، حيث ترسم الظلال على إمتداد الحقل ،  يخرج ”دوشان” من “المزرعة” ويجلس على حجرٍ عالٍ تحت الصخور ، راغباً في الراحة بعد أن أنهى أعماله اليومية وقام بإيواء عنزاته وأحكم إغلاق بوابة الحظيرة عليها٠٠

ما زال الحجر ، الذي جلس عليه دافئًا من أشعة الشمس ، بينما كانت تفوح من الحقل رائحة العشب الطازج ، وأما الطيور المتأخرة  فتطير مسرعةً  إلى أعشاشها ، قبل مغيب الشمس٠

تختبئ بيوت القرية وتحتمي في الأراضي الخفيضة وتصطف بجانب بعضها ، تماماً مثلما تفعل الطيور التي تقف على غصن شجرة ، وبالكاد تشاهد آثار دخان في الفضاء السماء ، وأحياناً يشق الهدوء ضجيج طائرة تسبح في الفضاء مخلِّفة وراءاً شريطاً من الدخان الأبيض والذي يبقى في السماء ، قبل أن يتلاشى تدريجياً بعد فترةٍ طويلة٠٠

وفي الأفق ، هناك على الجانب الآخر من المرج ، يمكنك رؤية الكاهن  وهو يمشي ببطئ ، بينما رداؤه الطويل ينساب على العشب ، والريح تلاعب خصلات لحيته الطويلة ، أما قبعته العالية (الكاليمافكا) فقد إنزلقت على جبهته وحجبت عنه الرؤية ، فكان يمشي بحذر ويتفحص المكان ، وينظر حوله ، ممسكاً بعصاة يتوكأ عليها ، ويتقدم بحذر ليرى فيما إذا كان المرج مبللاً ، وفي النهاية يصلّب ذراعيه راسماً شارة الصليب ، كما لو كان يستعد للصلاة – وكأنه بحضرة  مكان مقدس٠

وهكذا يجلس الإثنان – ”دوشان” على الحجر ، والكاهن على العشب٠٠٠٠يجلسان ويغرقان في التفكير العميق وكلٌ في عالمه الخاص به ٠وفي هذه الأثناء يتقدّم المساء حثيثاً ويغلّف كل ما في المكان، وينشر رداءه القاتم على الأرض ، فتندمج الظلال وفي النهاية ، تتوحد الاشياء وتختفي الألوان جميعها فيتلاشى اللون الأحمر والأزرق والأخضر ويبدو وكأن المكان قد تحوّل إلى بحرٍ تتناثر فيه الذكريات والرغبات الخفية والدفينة٠٠٠

آه من هذه الذكريات! ٠٠ يحدق  ”دوشان”  في ظلام المساء ، يخيّل إليه أنه وكأنه يسمع صوتاً ما ، لم يلبث هذا الصوت أن يصبح واضحاً ، إنه صوت قهقهة تنفجر في أذنيه٠

وعرف ”دوشان” هذا الصوت ، إنه صوت ضحكة ”سافينا”٠٠٠

وها هي ”سافينا” تتهادى بخطواتها على الطريق ، لقد خرجت من وراء الصخور ، وجاءت على الموعد٠٠٠

ها هي تقوم بقطف بعض الأعشاب الطبية ، بينما سَّلة الأزهار تتأرجح على ذراعها ، وثنيات فستانها مبللة بالندى٠

إحمرَّ خدَّاها وتورَّدا ، أمَّا شفتاها فكانتا قرمزيتان ، وحاجباها مرسومان بعناية ، ويتغير لون عينيها – فيبدو لونها أحيانًا أخضر ، وأحيانًا أخرى يصبح أزرقاً داكناً٠٠٠

آه من هذه الذكريات! يحدق  ”دوشان”  في ظلام المساء ، يخيّل إليه أنه وكأنه يسمع صوتاً ما ، لم يلبث هذا الصوت أن يصبح واضحاً ، صوت قهقهة تنفجر في أذنيه ، ولقد عرف ”دوشان” هذا الصوت ، إنه  ضحكة ”سافينا”٠٠٠

وها هي ”سافينا” تتهادى بخطواتها على الطريق ، لقد خرجت من وراء الصخور ، وجاءت على الموعد٠يراها وهي تقوم بقطف بعض الأعشاب الطبية ، بينما سَّلة الأزهار تتأرجح على ذراعها ، وثنيات فستانها مبللة بالندى ،  وأمَّا خدَّاها فقد إحمرَّ  وتورَّدا ،  وشفتاها كانتا قرمزيتان ، وحاجباها مرسومان بعناية ، و كان لون عينيها يتغير – فيبدو أحيانًا أخضراً ، وأحيانًا أخرى يصبح أزرقاً داكناً٠٠٠

تقترب سافينا من المكان ويعلو صوت ضحكتها  ويتلاعب به الهواء ٠٠ما زال  ”دوشان” يجلس على الحجر،  بينما كان طرف قبعته المدبب يرتفع فوق جبهته ، وكان صدره مفتوحاً٠٠٠

مدَّ يده وصافح  ”سافينا” ، ثم ذهب الاثنان إلى “المزرعة” ، كانت تفوح من شعر ”سافينا” رائحة العشب و صدرها الرَّجراجُ يتأرجح٠٠٠

إستلقى ”دوشان”على ظهره في السرير طويلاً وكان رأس”سافينا” يرتاح على يده ٠٠٠

بدا وكأن العالم قد تجمَّد  وكأن الزمان قد توقَّفت خطواته٠٠٠وبعد كل ذلك فلا شيء له أهمية ، وهل الوقتُ يتحرك حقاً؟!٠٠

أغلقت سافينا عينيها ، وتساقطت خصلة من شعرها على جبينها ،إنفرجت شفتاها وبانت أسنانها البيضاء٠٠

 كم  من مرةٍ عايش ”دوشان” هذه اللحظات في خياله ! و بدا له لو أنَّه أغلق عينيه الآن وركَّز نظره، فإنه سوف يرى ”سافينا” وهي تتهادى على الطريق ٠٠٠

وهكذا فلقد اجتمع الاثنان مجدداً ; ”دوشان” والكاهن ”ستايكو” ، إجتمعا هنا ، بجوار الحجر٠

إجتاز  الكاهن ”ستايكو” المرج مرة أخرى ، وكان ينقِل خطواته بحذر وهو يتجه إلى الصخرة ،انحنى جسده إلى الأمام ، كما لو أنه كان مشغولاً بفكرة ما٠٠إقترب من”دوشان” ، بينما كانت عيناه تلمعان من تحت قبعته الكهنوتية العالية٠

رحَّب ”دوشان” بالكاهن قائلاً :

– أهلا وسهلاً بك سيدنا الخوري٠٠٠كيف هكذ قررت أن تأتي إلينا؟!٠٠

– شكراً كنت أجلس هناك ، كنت جالسًا!٠٠ 

– نعم  أنت أصلاً ما زلتَ قابعاً هناك ، أراك تمكث وتقيم هناك باستمرار ، كي تمنع اللصوص من سرقة أيقوناتكم ٠

 قاطعه الكاهن  قائلاً :

– لا تسخر من الدين!٠٠

لم يكن الظلام قد حل بعد ؛ والشمس كانت تشرع في الغروب ، بينما كان نورها قد طلى كل شيء بالذهب٠٠٠وامتدت الظلال الصفراء فوق المروج ، وبدا الهواء مشبعًا بحبوب الطلع الصفراء٠٠ وأينما جال بصرك فلقد كانت الاجواء لطيفة وتبعث في الروح أحاسيس رقيقة٠

استرخى الكاهن حيث كان جالساً وقام بطوي ردائه الاسود تحت جسمه ، أمَّا ”دوشان” فقد جلس ، كالعادة ،  مرفوع الرأس ويداه على ركبتيه٠

سنوات عديدة  قد مرَّت، وقليلاً ما كان الاثنان يلتقيان ويقتربان من بعضهما البعض كما حصل الآن٠٠لقد جمعهم غروب الشمس ٠اخترقت أشعة الشمس المكان وأزالت الزنزانة المظلمة الفاصلة بينهما أيضًا٠ نظر الاثنان إلى السماء بإتجاه الغرب ، حيث علقت سحابة في الأفق وإصطبغت تدريجياً باللون الأحمر٠

وبالطبع ، وبشكلٍ تلقائي ، فلقد دار الحديث بينهما ، حول ”سافينا”٠

قال الكاهن ”التواضع هو هبة من الله”٠٠لقد وقفت عند المذبح وهي ملفوفة في حيائها وخجلها٠

–  عمّن تتحدَّث؟!٠٠أتقصد ”سافينا”؟٠٠٠كان ”دوشان” يشكك بذلك!٠٠

–  نعم ”سافينا”٠٠٠كانت قادمة من الاسفل سالكة ذلك الطريق الآخر٠

–  ومتى كان يحصل هذا؟٠٠

–  غالبا ما كانت تفعل ذلك!٠٠

– سيدي الكاهن ، أنت تكذب ، قال ”دوشان” ذلك وهو يضرب بيده على ركبته٠وقال مستهجناً ومتعجباً ; ”سافينا” وتواضع!!٠٠

 – هل تعرف حقيقة المرأة؟” هل تعرف ما هي روح الأنثى؟!٠٠

–  وأنا أسألك أتعرف أنت ذلك؟ 

–  المرأة ملاك ، و أفضل ما يليق بالمرأة هو الروح الملائكية!٠٠٠

  –  إذن رأيت ”سافينا” !، وقادمة من الطريق الآخر؟!٠٠

–  نعم من الطريق الآخر٠٠٠   

–  انا لا اصدق!٠٠٠ 

–  صدقني إن كنت تريد ذلك ، لكني أوكّد بأني رأيتها كما هي، لقد رأيت  ”سافينا” الحقيقية!٠٠٠

–  “سافينا” الحقيقية كانت إمرأة مختلفة٠

–  ما هذا الذي تقوله؟٠٠٠

–  المرأة ، يا سيدي الكاهن ،  هي مثل زهرة التفاح٠٠٠ كلما زاد ذوبانها ، كلما زاد جمالها!٠٠٠

–  لا ،لا ، إن التواضع هو الذي يزيِّن الإنسان٠

 

مر وقت طويل بعد ذلك اللقاء الأخير بينهما٠٠٠ ومرة أخرى وجد الاثنان نفسيهما يلتقيان على العشب، لقد كان لدى كلٍ منهما ما يرويه للآخر٠ وفي الواقع فإن الرغبة والحاجة إلى تجاذب أطراف الحديث والثرثرة والمشاركة بقصصهما هي التي كانت تجمعهما معاً٠٠٠

وبادر ”دوشان” في الحديث قائلاً:

– ذهبت إلى القرية ومررت بمنزل ”سافينا” ولقد رأيت الباب قد انفتح وخرج أحد أبنائها ٠٠ كانت خطواته سريعة  ، كان عريض الكتفين ضخماً وبنية جسده كانت قوية ٠٠وتساءلت ، وكم  من سنةٍ وأنا أتساءل! وهل سأفهم  يوماً ما الحقيقة وأدركها؟!٠٠

: وردَّ القس

– وأنا  أيضاً مررتُ من هناك ، ورأيت ابنها الآخر ، لقد كان  فتى وديعاً ، وقد أخفض عينيه إلى الأسفل ، كان وجهه يفيض بالتواضع ، عندها قلت لنفسي٠٠٠أحيانًا يموت شخص وتذهب الاسرار الدفينة معه٠

فأجابه ”دوشان:

– ها قد مرت سبع سنوات على رحيل ”سافينا”٠

وأكد الأب ستايكو: 

– نعم لقد رحلت ، وكأنَّ٠٠

– وكأنَّ ضحكتها لن يختفي أبدًا!٠

 – لكأنني أسمع صوت صلاتها!٠٠

وببطء ، وبتؤدة وهدوء يأتي المساء ، ويلف الظلام كل شيئ من حولهما – الحقل والشجيرات والحشائش ، وفي السماء ظهر نجم يومض من بعيد وتتراقص إشعاعاته بمرح في الفضاء٠

واصل الاثنان وقوفهما على عشب الحقل ، وحدَّقا بذلك النجم الذي كان وجهه يزداد نوراً وإشراقاً٠٠٠

 

دينكا إليِّيفا

قام بالترجمة من اللغة البلغارية إلى العربية ; الدكتور محمد طرزان العيق

 

اترك تعليقاً