الرئيسية / اخبار ثقافية / لقاء مع الأديبة د. سناء الشّعلان حول الثّقافة والإبداع

لقاء مع الأديبة د. سناء الشّعلان حول الثّقافة والإبداع

وكالة عسى الإخبارية:  حاورها الإعلاميّ اللّيبيّ: رامز رمضان النّويصريّ لصالح المجلّة الفكريّة الفصليّة (الفصول الأربعة) الصّادرة عن رابطة الكتّاب والأدباء اللّيبيين.

 

1– إلى أيّ مدى يمكن للثّقافة والإبداع أن تساهم في تنمية المجتمع؟

يمكن للثّقافة والإبداع أن يسهما كثيراً في تنمية المجتمعات والحضارات الإنسانيّة بشكل جادّ ومصيريّ وحاسم، وأحياناً أساسيّ، لكن بشرط واحد، وهو أن تكون مفردات الثّقافة منبثقة من المعاصرة والإنتاجيّة الحقيقيّة والتّقدّم العلميّ والتّعاليّ على الخرافات والمخاوف والمضاويّة المتهاوية، ومؤمنة بحقّ بقيم الحريّة والإنسانيّة والعطاء وتكافؤ الفرص، ومجسّدة لها بشكل عمليّ ومعيش مقنّنة في قوانين منصفة ومانعة لأيّ تداعي سلطويّ على الإنسان في حدود حرّياته المشروعة.

عندها يمكن أن تبني مجتمعاً قادراً على إنتاج الحضارة المستمرّة، وقادراً على معايشة الحاضر والمستقبل بأدواتهما الحقيقيّة، وفي الوقت ذاته يكون إبداعه منبثقاً من هذه العوامل والخصائص والمكوّنات، ويقوم بواجبه الطّبيعيّ والمأمول في تجسيد أفكار البشريّة المتحضّرة المستمرّة في ركب الحضارة، لتكون متحضّرة بحقّ عن تلك الأمم التي ما زالتْ تحلم بالماضويّة المتهالكة، وتنتظر “جودو” المزعوم ليحقّق لها أمنياتها، ويخرجها من مستنقع أوهامها الذي اختارته بقرارها الشّخصيّ بشكل أو بآخر، و”جودو” لا يأتي، والعالم يتقدّم، ونحن ننتظر المجهول الموعود الذي لا يدلّ سوى على حمقنا وجهلنا وضعفنا وقعود عقولنا وفهومنا بنا.

 

2- ما هي الأدوار التي يمكن للثّقافة أن تلعبها في هذا الشّأن؟

الثّقافة هي المعوّل عليها في تقديم المكوّن الفكريّ والوجدانيّ والعمليّ للإنسان؛ لأنها تنبثق من هذه المكوّنات في حقيقة وجودها؛ فالإنسان في النّهاية يتكوّن فكره ووجدانه وسلوكه من مكوّنه الثّقافيّ أو من مكوّناته الثّقافيّة إن كانتْ أحاديّة، أو متعدّدة، وفي الحالات جميعها من النّتائج الطّبيعيّة في السّيرورة الحضاريّة أن تلعب الثّقافة بمحمّلاتها الاستراتيجيّة هذه دوراً في تكوين الإنسان، وتكوين هويّة فكره وشخصيّته وسلوكه بشكل فرديّ، وهو ما يكوّن الهويّة الجمعيّة للشّعب أو الأمّة فيما بعد.

من هذا المنطلق تستطيع أن نفسّر أوضاع الأمم والشّعوب، وأن نفهم طبيعيّة سلوكيّاته، وأن ندرس أفرادها، وأن نفسّر أزماتها، ومن ثمّ يمكننا أن نتوقّع مصائرها ومآلاتها من تحليل فكر تلك الأمم وثقافتها.

 

3- كيف تقيّمين مساهمة الثّقافة محليّاً وعربيّاً؟

المكوّن الثّقافيّ لا يعني الماضي والموروث فقط، كما يروق للحالمين والمنافقين والماضويين أن يحصروه فيه، وليتَ الأمر كذلك لهان الأمر بما يخصّ الأمّة الإسلاميّة العربيّة وحضارته التي تقوّضتْ شيئاً فشيئاً على أيدي أبنائها قبل أيدي أعدائها، لكن الثّقافة هي فعل مضارع ومتّصل كذلك، وهنا تأتي مأساويّة حاضرنا؛ ففي حين يعيش البعض على أطلال الماضي، ويترنّمون بها، وهم لم يشاركوا أساساً في رفع بنائها، ينادي آخرون بهجر الحضارة العربيّة جملة وتفصيلاً، وإحلال ثقافة الآخر مكانها تماماً، ويزعق السّاسة والحكّام والمسؤولون والكذّابون والمنافقون والمنتفعون واللّصوص بأنّنا في أحسن حال، وأنّ ثقافتنا هي مفخرة المفاخر؛ ما داموا قد هيمنوا على أفكارها، واستلبوا جماليّاتها، وقاموا على خرافاتها وضعفها وانكسارها، ويهربون من تفسير حقيقة الحال الذي نحن نعيشه الآن بوصفنا أمّة تأخّرتْ كثيراً عن مدارج الحضارة، وباتتْ عالة على الإنسانيّة المتقدّمة في كثير من أصقاع الدّنيا، ومستهلكة حمقاء لا أكثر، ومجرّد بوق مزعج، وعدد سكّانيّ لا قيمة له في البشريّة في جلّ أفراده!

نحن لا نقدّم لأنفسنا الشّيء الكثير في الوقت الحاضر للأسباب التي يعرفها الجميع، وهي أسباب قد أدّت إلى تراجع العقل والمنتج الحضاريّ الإبداعيّ على الصّعد كلّها، وحوّلت الإنسان العربيّ إلى مستهلك أحمق جبان وخانع، يدين لعقليّة القطيع في المسيّر دون أن يعرف الدّرب.

على من ينكر هذه الحقائق، وهذا المشهد العربيّ المتهالك الذي يُسحق فيه المبدع الحقيقيّ، والمفكّر المربّي، والإنسان المنتمي الحرّ أيّما سحق، أن يقنعنا بالأدلّة والبراهين بأنّنا نعيش في واقع متقدّم متحضّر، وأن يفسّر لنا معنى الفقر والاضطهاد والسّحق والضّياع والضّعف والخنوع والدّماء والفرقة التي نتيه فيها الآن.

أخاله لن يستطيع ذلك، خلا بعض الجعجعة الكاذبة التي اعتادها السّلطويون والكاذبون والأفّاقون ليقنعونا بأنّني في ألف خير ونحن جياع ومضيّعين وخائفين وضعاف، في حين هم يسرقون قوتنا، ويعيشون في بذخهم، ويحوّلون الأموال التي سرقوها من الأمّة إلى ملاذات آمنة لسرقاتهم الآثمة!

إن كان هذه وضع ثقافتنا في تأثيرها علينا بكلّ أسف، فكيف نتوقّع أن يكون لنا تأثير حاضر وحقيقيّ على الآخر في المدّ الثّقافيّ والحضاريّ ؟! وهو من كفر بنا، وساهم بتكفيرنا بأنفسنا، ولا يأبه بنا إلاّ بمقدار ما يسرق منّا، أو بمقدار ما يقدّمه لصوصنا الكبار له من غنائم وسرقات آثمة، أو ما يدّخرونه من أموالنا في بنوكه، أو يصرفونه من طائل مال على ملاذّهم التي يجدونها موفّرة في أرضه.

الآخر لم يعد يرانا سوى ماضٍ بائد لا قيمة له، وقلّما يعترف به أساساً، ويختزلنا في حاضر متعثّر دون مستقبل سوى في المزيد من الانحطاط والانزلاق إلى الحضيض في المستويات جميعها؛ لذلك شرع ينهش فينا، ويقتسم أشلاءنا فيما بينه، ويطلق علينا شذّاذه ومجرميه ولصوصه، وينعتنا بأسوأ النّعوت، ويرصدنا على قائمة الأمم والشّعوب التي يجب حذفها من البشريّة؛ لأنّها لا تستحّق الحياة.

سيظلّ هذا حالنا، أو قد نسير إلى الأسوأ حدّ الانقراض والإبادة الجماعيّة غير مأسوف علينا كما أتوقّع، ما لم نستيقظ من غفلتنا التي طال زمنها لقرون، ونعيش ثورة بيضاء حقيقيّة بعيدة عن الدّماء والقتل والفتك والعنصريّات والإقليميّات وتصفية الثّارات البائدة، ما نريده هو ثورة بيضاء مقدّسة قوامها القيادة الواعية النّبيلة العارفة الوطنيّة والانطلاق مع العقل والعلم والعمل والقيم العليا للإنسانيّة، وعناصرها المبدعين الخلّاقين الذين يدينون بدين العقل والتّقدّم والإبداع والإنسانيّة، ولا يرون في أوطانهم وشعوبهم لقماً سائغة لهم، أو غنائم عليهم أن يتقاسموها بمنطق الأقوى اللّئيم، أو شريعة الغاب.

 

 

* اللّقاء منشور لأوّل مرّة في المجلّة الفكريّة الفصليّة (الفصول الأربعة) الصّادرة عن رابطة الكتّاب والأدباء اللّيبيين، في العدد 126 في ملفّ خاصّ عن (دور الثّقافة والإبداع في تنمية المجتمع)

 

عن د. سناء الشعلان

اضف رد

إلى الأعلى